أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

529

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الزمخشري فإنه قال : « بما استحفظوا بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة ، أي : بسبب سؤال أنبيائهم إياهم أن يحفظوه من التبديل والتغيير » ، وهذا على أن الضمير يعود على الربانيين والأحبار دون النبيين ، فإنه قدّر الفاعل المحذوف « النبيين » ، وأجاز أن يعود الضمير في « اسْتُحْفِظُوا » على النبيين والربانيين والأحبار ، وقدّر الفاعل المنوب عنه الباري تعالى أي : بما استحفظهم اللّه ، يعني بما كلّفهم حفظه . وقوله : مِنْ كِتابِ اللَّهِ قال الزمخشري : « و « مِنْ » في « مِنْ كِتابِ اللَّهِ » للتبيين » يعني أنها لبيان الجنس المبهم في « بِمَا » ، فإن « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية بمعنى الذي ، والعائد محذوف أي : بما استحفظوه ، وأن تكون مصدرية أي : باستحفاظهم . وجوّز أبو البقاء أن تكون حالا من أحد شيئين : إمّا من « ما » الموصولة أو من عائدها المحذوف ، وفيه نظر من حيث المعنى . وقوله : « وَكانُوا » داخل في حيّز الصلة أي : وبكونهم شهداء عليه أي : رقباء لئلا يبدّل ، ف « عَلَيْهِ » متعلق ب « شُهَداءَ » والضمير في « عَلَيْهِ » يعود على « كِتابِ اللَّهِ » ، وقيل : على الرسول ، أي : شهداء على نبوته ورسالته ، وقيل : على الحكم ، والأول هو الظاهر . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 45 ] وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 45 ) تعالى : أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ : الآية . « عَلَيْهِمْ » الضمير للذين هادوا ، و « فِيها » للتوراة و « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » : « أَنَّ » واسمها وخبرها في محلّ نصب على المفعولية ب « كَتَبْنا » ، والتقدير : وكتبنا عليهم أخذ النفس بالنفس . وقرأ الكسائي « والعين » وما عطف عليها بالرفع ، وقرأنا نافع وحمزة وعاصم بنصب الجميع ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر بالنصب فيما عدا « الْجُرُوحَ » فإنهم يرفعونها . فأما قراءة الكسائي فوجّهها أبو علي الفارسي بثلاثة أوجه ، أحدها : أن تكون الواو عاطفة جملة اسمية على جملة فعلية فتعطف الجمل كما تعطف المفردات ، يعني أنّ قوله : « وَالْعَيْنَ » مبتدأ ، و « بِالْعَيْنِ » خبره ، وكذا ما بعدها والجملة الاسمية عطف على الفعلية من قوله : « وَكَتَبْنا » وعلى هذا فيكون ذلك ابتداء تشريع ، وبيان حكم جديد غير مندرج فيما كتب في التوراة ، قالوا : وليست مشركة للجملة مع ما قبلها لا في اللفظ ولا في المعنى . وعبّر الزمخشري عن هذا الوجه بالاستئناف ، قال : « أو للاستئناف ، والمعنى : فرضنا عليهم أنّ النفس مأخوذة بالنفس مقتولة بها إذا قتلتها بغير حقّ ، وكذلك العين مفقوءة بالعين ، والأنف مجدوع بالأنف ، والأذن مصلومة أو مقطوعة بالأذن ، والسنّ مقلوعة بالسن ، والجروح قصاص وهو المقاصّة » ، وتقديره : أنّ النفس مأخوذة بالنفس ، سبقه إليه الفارسي ، إلا أنه قدّر ذلك في جميع المجرورات ، أي : والعين مأخوذة بالعين إلى آخره ، والذي قدّره الزمخشري مناسب جدا ، فإنه قدّر متعلّق كلّ مجرور بما يناسبه : فالفقء للعين ، والقلع للسنّ ، والصّلم للأذن ، والجدع للأنف . إلا أنّ الشيخ كأنه غضّ منه حيث قدّر الخبر الذي تعلّق به المجرور كونا مقيدا . والقاعدة في ذلك إنما يقدّر كونا مطلقا ، قال : « وقال الحوفي : « بِالنَّفْسِ » يتعلّق بفعل محذوف تقديره يجب أو يستقر ، وكذا العين بالعين وما بعدها ، فقدّر الكون المطلق ، والمعنى : يستقر قتلها بقتل